الاثنين، 11 يونيو، 2012

الماء القليل والكثير


اتفق العلماء على أن الماء الذي غيرته النجاسة، إما طعمه، أو لونه، أو ريحه ينجس ولا يجوز به الوضوء ولا الطهور سواء كان جاريا أو راكدا  قليلا كان أوكثيرا، تغير تغيرا فاحشا أويسيرا، واتفقوا أيضا على أن الماء الكثير لا تضره النجاسة إذا لم تغير أحد أوصافه ، ولكن اختلفوا في الماء القليل إذا استعمل في إزالة النجاسة أو خالطته نجاسة، ولم تغير أحد أوصافه.

فذهب قوم: إلى أنه طاهر سواء أكان كثيرا أو قليلا، ولم يفرقوا بينهما. وهي إحدى الروايات عن مالك،وأحمد وجماعة من أصحابه وبه قال أهل الظاهر.
وذهب البعض : إلى الفرق بين القليل والكثير، فقالوا: إن كان قليلا كان نجسا، وإن كان كثيرا لم يكن نجسا كما ذهب إليه الشافعية والحنفية وهؤلاء اختلفوا في التحديد بين القليل، والكثير،كما تقدم  ومنهم من لم يحد في ذلك حدا، ولكن قال: إن النجاسة تفسد قليل الماء وإن لم تغير أحد أوصافه. وهذا أيضا مروي عن مالك.
ويسبب اختلافهم في ذلك: هو تعارض ظواهر الاحاديث الواردة في ذلك،
الأول حديث أبي هريرة وهو قوله عليه الصلاة والسلام: إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا؛ فإنه لا يدري أين باتت يده رواه الشيخان
فيفهم من ظاهره أن قليل النجاسة ينجس قليل الماء. قال الصنعاني والجمهور على أن النهي والأمر لاحتمال النجاسة في اليد ، وأنه لو درى أين باتت يده كمن لف عليها فاستيقظ وهي على حالها ، فلا يكره له أن يغمس يده ، وإن كان غسلهما مستحبا كما في المستيقظ ؛ وغيرهم يقولون : الأمر بالغسل تعبد ؛ فلا فرق بين الشاك والمتيقن.
قال النووي في شرح مسلم : فيه النهي عن غمس اليد في الاناء قبل غسلها وهذا مجمع عليه لكن الجماهير من العلماء المتقدمين والمتأخرين على أنه نهى تنزيه لا تحريم وحكى أصحابنا عن الحسن البصري رحمه الله تعالى أنه ينجس إن كان قام من نوم الليل وحكوه أيضا عن إسحاق بن راهويه ومحمد بن جرير الطبري وهو ضعيف جدا فان الأصل في الماء واليد الطهارة فلا ينجس بالشك وقواعد الشرع متظاهرة على هذا ولا يمكن أن يقال الظاهر في اليد النجاسة.
والثاني حديث أبي هرير أيضا الثابت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل فيه رواه الشيخان فإنه يوهب ظاهره أيضا أن قليل النجاسة ينجس قليل الماء. ورد بأن فيه إطلاق الماء الدائم فيشمل القليل والكثير
والثالث حديث أبي هريرة أيضا يقول قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- « لا يغتسل أحدكم فى الماء الدائم وهو جنب ». فقال كيف يفعل يا أبا هريرة قال يتناوله تناولا. رواه مسلم ورد أيضا بأن فيه إطلاق الماء الدائم فيشمل القليل والكثير
والرابع حديث أبى هريرة أيضا قال قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- « إذا ولغ الكلب فى إناء أحدكم فليرقه ثم ليغسله سبع مرار ». رواه الشيخان ولم يفرق بين ما تغير وبين ما لم يتغير مع أن الظاهر عدم التغيير
والخامس حديث أنس الثابت: أن أعرابيا قام إلى ناحية من المسجد فبال فيها، فصاح به الناس، فقال رسول الله (ص): دعوه.
فلما فرغ أمر رسول الله (ص) بذنوب ماء فصب على بوله رواه الشيخان  فظاهره أن قليل النجاسة لا يفسد قليل الماء.
إذ معلوم أن ذلك الموضع قد طهر من ذلك الذنوب.
والسادس حديث أبي سعيد الخدري المتقدم قال: سمعت رسول الله (ص) يقال له: إنه يستقي من بئر بضاعة، وهي بئر يلقى فيها لحوم الكلاب، والمحائض، وعذرة االناس، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: إن الماء لا ينجسه شئ.أخرجه أبو داود
والسابع : حديث القلتين وتقدم الكلام عليه.
فرام العلماء الجمع بين هذه الاحاديث، واختلفوا في طريق الجمع، فاختلفت لذلك مذاهبهم
فجمع االشافعية  بين حديثي أبي هريرة، وحديث أبي سعيد الخدري بأن حملوا حديثي أبي هريرة على الماء القليل، وحديث أبي سعيد على الماء الكثير. ولكن حديث الاعرابي المشهور معارض له ولا بد، فلذلك لجأت الشافعية إلى أن فرقت بين ورود الماء على النجاسة، وورودها على الماء، وقال جمهور الفقهاء: هذا تحكم، فقالوا: إن ورد عليها الماء كما في حديث الاعرابي لم ينجس، وإن ورد ت النجاسة على الماء كما في حديث أبي هريرة نجس. ورد بأنه لا يعقل التفرقة بين الورودين ،بأن أحدهما ينجسه دون الآخر.

وذهب الأولون إلى أنه لا ينجسه شيء إلا ما غير أحد أوصافه كما دل عليه حديث أبي سعيد الخدري المتقدم عن النبي قال إن الماء لا ينجسه شيئ وغيره وأما أحاديث الاستيقاظ ، والماء الدائم ، والولوغ ، ليست واردة لبيان حكم نجاسة الماء ، بل الأمر باجتنابها تعبدي وامتثال ما تضمنته عبادة لا لأجل النجاسة ، وإنما هو لمعنى لا نعرفه ، كعدم معرفتنا لحكمة أعداد الصلوات ونحوها.
والذي يترجح في نظري ، والعلم عند الله : هو ما ذهب إليه القائلون بأن العبرة بالتغير ، وذلك لقوله عليه الصلاة والسلام :[ إن الماء طهور ؛ لا ينجسه شيء ] فدل على أن الأصل طهوريته ، ولا يحكم بالإنتقال عنها إلا بدلالة صحيحة معتبرة ، وهي التغير لأوصافه ، وأما حديث القلتين ففيه منطوق ، ومفهوم ، فمنطوقه لا إشكال فيه ، ومفهومه معارض بمنطوق حديث بضاعة المتقدم :[ إن الماء طهور ؛ لا ينجسه شيء ] لأنه دال على أن الماء محكوم ببقائه على أصل الطهورية ما دام أنه لم يتغير فيقدم هذا المنطوق ؛ لأن القاعدة أنه ( إذا تعارض المنطوق ، والمفهوم ؛ قدم المنطوق على المفهوم ) .
قال في المجموع حكى ابن المنذر وغيره فيه سبعة مذاهب للعلماء (والسابع) لا ينجس كثير الماء ولا قليله الا بالتغير حكوه عن ابن عباس وابن المسيب والحسن البصري وعكرمة وسعيد بن جبير وعطاء وعبد الرحمن ابن أبي ليلي وجابر بن زيد ويحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدى: قال أصحابنا وهو مذهب مالك والاوزاعي وسفيان الثوري وداود ونقلوه عن أبي هريرة والنخعي قال ابن المنذر وبهذا المذهب أقول واختاره الغزالي في الاحياء واختاره الروياني في كتابيه البحر والحلية اه.
وبهذا كله يترجح أن العبرة بحصول التغير في الماء ، فلا يلتفت عند وقوع النجاسة فيه إلى كثرة ، ولا إلى قلة ، ولا إلى حركة ، ولا إلى غيرها وإنما يلتفت إلى تأثير النجاسة فيه بتغييرها لأحد أوصافه على الوجه المعتبر والله أعلم .
قال الصنعاني : وإذا عرفت ما أسلفناه وأن تحديد الكثير والقليل لم ينهض على أحدهما دليل ، فأقرب الأقاويل بالنظر إلى الدليل قول القاسم بن إبراهيم ومن معه ، وهو قول جماعة من الصحابة كما في البحر ، وعليه عدة من أئمة الآل المتأخرين ، واختاره منهم الإمام شرف الدين .
وقال ابن دقيق العيد : إنه قول لأحمد ، ونصره بعض المتأخرين من أتباعه ، ورجحه أيضا من أتباع الشافعي القاضي أبو الحسن الروياني صاحب بحر المذهب ، قاله في الإمام .
وقال ابن حزم في المحلى : إنه روي عن عائشة أم المؤمنين وعمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعودوابن عباس والحسن بن علي بن أبي طالب وميمونة  أم المؤمنين وأبي هريرة وحذيفة بن اليمان والأسود بن يزيد وعبد الرحمن  أخيه وابن أبي ليلى وسعيد بن جبير وابن المسيب ومجاهد وعكرمة والقاسم بن محمد والحسن البصري وغير هؤلاء .
قال عطية صقر في فتاواه :
والإمام مالك أخذ بذلك كما أخذ به الحسن البصرى والثورى والنخعى وداود الظاهرى . وقال الإِمام الغزالى : وددت لو أن مذهب الشافعى فى المياه كان كمذهب مالك ، ذلك أن الشافعى أخذ بحديث ابن عمر مرفوعا "إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث" رواه الخمسة .ِ
قال ابن قدامة في الشرح الكبير
والرواية الثانية) أن الماء لا ينجس إلا بالتغير روي ذلك عن حذيفة وأبي هريرة وابن عباس والحسن وهو مذهب مالك والثوري وابن المنذر وروي أيضا عن الشافعي.
قال الحافظ في الفتح تقدم قول من لا يعتبر إلا التغير وعدمه وهو قوي لكن الفصل بالقلتين أقوى لصحة الحديث فيه وقد اعترف الطحاوي من الحنفية بذلك لكنه اعتذر من القول به فإن القلة في العرف تطلق على الكبيرة والصغيرة كالجرة ولم يثبت من الحديث تقديرهما فيكون مجملا فلا يعمل به  وقواه بن دقيق العيد.
ولله الحمد والمنة وأراح الله العباد ودفع عنهم الوسوسة لأن الشخص إذا جاء يعتبر القلتين شك ، هل الماء يبلغ قلتين أو ما يبلغ قلتين ؟ ويجلس يحدث ويخمن فيقع في حرج بمجرد وقوع قطرة فيه يحكم بنجاسته ، هذا بعيد بالنسبة لأصول الشريعة لكن ، إذا قلت العبرة بالتغير تنظر إن وجدت طعم النجاسة أو لونها أو رائحتها حكمت أنها تغيرت ، وإذا لم تجد لها أثراً كان وقوع القطرة هذه وعدمها على حدٍ سواء . وهذا هو الصحيح والحقيقة لا شك أنه أسلم وأقوى من جهة الدليل .والله أعلم بالصواب.
قال في الشرح الممتع : والصحيح: أنه إذا زال تغير الماء النجس بأي طريق كان فإنه يكون طهورا؛ لأن الحكم متى ثبت لعلة زال بزوالها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق