الاثنين، 11 يونيو، 2012

"وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ" (الروم:22)


"وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِوَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ" (الروم:22)





من الدلالات العلمية للآية الكريمة:

أولا في قوله –تعالى- ::"وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ" (الروم:22).

من أول ما أدرك علماء الفلك من مكونات السماء مجموعتنا الشمسية وهي تضم  بالإضافة إلى الشمس أحد عشر كوكبا وتسعة وثمانين قمراً وآلاف الشهب والنيازك وكميات من الدخان .وتبلغ المسافة بين الشمس وأقرب كواكبها إليها (هو عطارد) 58 مليون كيلو متراً بينما يقع أبعد كواكبها وهو كوكب سيدنا (Sedna)على مسافة تقدر بحوالي 13.5 بليون كيلومتراً من الشمس .وشمسنا هي واحدة من مليون مليون نجم تكون مجرتنا المعروفة باسم سكة التبانة أو "درب اللبانة على هيئة قرص مفلطح يقدر قطره بحوالي مائة ألف سنة ضوئية (950 ألف مليون مليون كم), ويقدر سمكه بعشر ذلك (95 ألف مليون مليون كم) .


وقد تخيل الفلكيون في وقت من الأوقات أن مجرتنا هي كل الكون ليفاجأوا باكتشاف ما بين مائتي ألف مليون مجرة وثلاثمائة ألف مليون مجرة في الجزء المدرك من الكون وبعض هذه المجرات أكبر من مجرتنا كثيرا وبعضها الآخر أصغر قليلا وتتربى المجرات في مجموعات تتعاظم في الكبر بالتدريج من المجموعات المحلية إلى الحشود المجرية الصغرى والعظمى والتى تنتظم على هيئة كروية تدرس في شرائح مقطعية بأبعاد في حدود (150×100×15) سنة ضوئية
و أكبر هذه الشرائح التى درست يسمى مجازا باسم الحائط العظيم الذي يزيد طوله على(250مليونسنة ضوئية أي 2375 مليون مليون كم وقد تم الكشف عن حوالي مائة من الحشود المجرية العظمى التى تكون قرصا يبلغ طول قطره بليوني سنة ضوئية وسمكه عشر ذلكأى مائتي مليون سنة ضوئية ويعتقد عدد من الفلكيين المعاصرين أن بالجزء المدرك من الكون تجمعات أكبر من ذلك .


والنجوم تعتبر أفرانا نووية كونية عملاقة يخلق الله -تعالىلنا فيها مختلف صورة المادة والطاقة اللازمة لبناء الجزء المدرك من الكون والمحافظة عليه وبالإضافة إلى النجوم وتوابعها هناك السدم والمادة بين النجوم والمواد الداكنة والدخان الكوني وغير ذلك من مختلف صور المادة والطاقة المحسوسة وغير المحسوسة في ظلمة الجزء المدرك من الكون ويقدر الفلكيون كتلة الجزء المدرك بمائة ضعف كتلة المادة والطاقة المرئية والمحسوسة فيه.


 وإذا علمنا أن النجوم هي زينة السماء الدنيا فقط أدركنا عظمة ما حولها من السماوات الست الباقيات والنظرية المقبولة لدى معظم علماء المعاصرين عن نشاة الكون هي نظرية الانفجار العظيم ونحن معشر المسلمين نؤمن بصدقها لوجود إشارة إليها في كتاب الله الخالق ومن طبيعة الانفجار أنه يؤدي إلى أن تناثر المادة المنفجرة وبعثرتها ولكن انفجاراً يؤدي إلى بناء كون شاسع الاتساع دقيق البناء ومحكم الكتل والأحجام والمسافاتمنضبط الحركة في الجري والدوران في كل جزئية من جزئياته من اللبنات الأولية للمادة إلى الكون كله لا يمكن إلا أن يكون انفجارا مقدراً تقديرا محكما من الخالق العظيم .


ووحدة البناء في الجزء المدرك من الكون تشير إلى وحدانية الخالق البارئ المصور وإلى تنزهه فوق جميع خلقه وفوق كل وصف لا يليق بجلاله من هنا كان الاستدلال بخلق السماوات من أعظم الشواهد على وجود الله -سبحانه وتعالى- , وعلى تفرده بالألوهية والربوبية والخالقية والوحدانية المطلقة فوق جميع خلقه 

أما عن الأرض فنحن نعيش على كرة من الصخر
تقدر كتلتها بحوالي ستة آلاف مليون مليون مليون طنا ومساحتها (510) مليون كيلومتراً مربعا تمثل اليابسة منها (148) ، مليون كيلو متراً مربعا والأجزاء المغمورة بالماء منها (362) مليون كيلومتراً مربعا وحجمها مليون1350 كيلو متراً مكعبا ومتوسط كثافتها 5.5 جمسم3 . ولو زادت كتلة الأرض قليلا لكان وزن الغلاف الغازي الذي تجذبه أعلى من تحمل حياة ذكية كحياة الإنسان، ولو قلت قليلا لما أمكنها جذب غلاف غازي بدقة التركيب والكثافة والضغط اللازمة للحياة على الأرض ويقدر متوسط المسافة بين الأرض والشمس بحوالي مائة وخمسين مليون كيلو متراً، ولو كانت أقرب قليلا إلى الشمس لأحرقت الطاقة المنبعثة منها كل صور الحياة على سطحها ، ولو كانت أبعد قليلا لتجمدنا وتجمدت الحياة من حولنا 

والأرض تدور حول محورها بسرعة تقدر بحوالي 30 كم في الدقيقة لتتم دورتها في يوم مقداره حاليا (24) ساعة تقريبا ، يتقاسمه ليل ونهار، بتفاوت يزيد وينقص حسب الفصول المناخية التى تتبادل بسبب ميل محور دوران الأرض على دائرة البروج بزاوية مقدارها (66.5) درجة تقريبا ، ويعزى لذلك أيضا تتابع الدورات الزراعية ، وهبوب الرياح ، وهطول الأمطار بأمر الله ولو لم يكن محور دوران الأرض بهذا الميل ما تتابعت الفصول المناخية ، وإذا لم تتتابع لاستحالت الحياة والأرض تجرى حول الشمس في مدار بيضاني (إهليلجيقليل الاستطالة بسرعة تقدر بحوالى 30 كم في الثانية لتتم دورتها هذه في سنة شمسية مقدارها (365.25) يوما تقريبا ، تتقاسمها فصول أربع هي الربيع ، والصيف ، والخريف ، والشتاء 

والأرض كوكب فريد في كل صفة من صفاته ، مما أهله بجدارة لكي يكون مهداً للحياة الأرضية بكل مقوماتها وصفاتها فكل أمر من أمور الأرض بدءا من بنيتها الداخلية إلى تضاريس سطحها ، ومن صفات نطقها الصخرية ، والمائية ، والهوائية ، والحيوية ، من مختلف صور المادة والطاقة فيها ، ومن دورات ذلك كله (دورة الصخور ، دورة الماء ، دورات الهواء ، دورات الحياة ، دورات التغذية ، والهدم والبناء ، وغيرها، ومن نطق الحماية المختلفة التى حباها الخالق -سبحانه وتعالىبها ومن علاقاتها بأجرام السماء من حولها كل ذلك يشهد للخالق البارئ المصور بطلاقة القدرة وبديع الصنعة وإحكام الخلق 
 لذلك قال ربنا -تبارك وتعالى- : "وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ" (الروم:22).


ثانيا قوله –تعالى- :"وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْوَأَلْوَانِكُمْ " (الروم:22).
يخلق الفرد من بني آدم من نطفة أمشاج (مختلطةنصفها موروث عن الأب وأسلافه إلى أبينا آدم –عليه السلام– والنصف الآخرموروث عن الأم وأسلافها إلى أمنا حواء –عليها رضوان الله- , ثم تنمو هذه النطفة المختلطة (إذا شاء الله تعالى لها النماءلتصبح تريليونات الخلايا المتخصصة في أنسجة وأعضاء ونظم متخصصة تتعاون من أجل المحافظة على حياة كل فرد منا ما قدر الله –تعالىله الحياة وإذا كان الفرد منا ينحل جسده إلى النطفة الأمشاج التي قدر الله –تعالىله أن يخلق منها فإن بلايين البشر الذين يملأون جنبات الأرض اليوم والبلايين التي عاشت من قبل وماتت والبلايين التي سوف تأتي من بعدنا إلى قيام الساعة ينتهي نسبها إلى شيفرتين وراثيتين كانت إحداهما في صلب أبينا آدم والأخرى في صلب أمنا حواء لذلك يتشابه البشر جميعا في التركيب الكيمائي للحمض النووي الريبي منزوع الأوكسجين الذي تكتب به الشيفرة الوراثية إلى نسبة 99.9% ويختلفون فقط في نسبة 0.1% . 

ومن طلاقة القدرة الإلهية أن الله -تعالىيعطى لكل فرد من بني الإنسان بصمة وراثية خاصة به تميزه عن غيره .وكما أعطت طلاقة القدرة الإلهيه المبدعة من فروق لا تتعدى 0.1% في تركيب الحمض النووي الذي تكتب به الشيفرة الوراثية بصمة وراثية خاصة لكل فرد من بني آدم وقد شاءت إرادة الله الخالق أن يبني من اللغة الواحدة التي تكلم بها أبوانا آدم وحواء –عليهما رضوان الله–التي كانت هي اللغة العربية أكثر من خمسة آلاف لغة ولهجة يتحدث بها أهل الأرض اليوم ولابد لهذا التنوع في ألسنة البشر من علاقات وراثية وبيئية وزمنية محددة تعكس جانبا من طلاقة القدرة الإلهية المبدعة في الخلق .

 أما عن ألوان البشر والتنوع الهائل فيها بين الأحمر والأبيض والأصفر والأسود وما بين ذلك ، فإن التنوع فيها يرجع أيضا إلى عدد من الصفات الوراثية والبيئية التى تؤدي إلى اختلاف نسبة كل من صبغتى الميلانين و الهيموجلوبين في خلايا الجسم بصفة عامة وفي الخلايا الجلدية -بصفه خاصة وتأثيرها بين الصبغتين لا يتوقف عند حدود تلوين البشرة والشعر والعينين بل يتعدى ذلك إلى العديد من الوظائف الحيوية الهامة ولو كان أهل الأرض جميعا يتكلمون بلغة واحدة ولهم لون عينين وبشرة وشعر واحد وسمات جسدية واحدة لكانت الحياة مملة سقيمة غير مرضية ولذلك يَمُنُّ علينا ربنا -تبارك وتعالىبقوله العزيز : " وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْوَأَلْوَانِكُمْ " (الروم:22) . ولما كان المرء منا لا دخل له في لون بشرته أو شعره أو عينيه نهى الإسلام العظيم عن التمييز بين الناس على أساس من اللغة أو اللهجة أو لون البشرة والشعر وعن أي تعصب على أساس من ذلك فقد يولد توأم من نفس البطن يتفاوت في كل منهما لون البشرة والشعر.






ثالثا في قوله –تعالى- :"وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْوَأَلْوَانِكُمْ " (الروم:22). 

هذه الحقائق العلمية الدقيقة عن خلق السماوات والأرض وعن اختلاف الألسنة واللهجات مع الأصل الواحد للإنسان لم يكتشف منها شيء ذو بال إلا في القرنين الماضيين وسبق القرآن الكريم بالاستشهاد بها دليلاً على حقيقة الألوهية والربوبية والخالقية والوحدانية المطلقة لله الخالق فوق جميع خلقه واعتبارها من آيات الله الدالة على حقيقته لهي من المعجزات العلمية والعقدية للقرآن الكريم الذي أنزل منذ أكثر من أربعة عشر قرناً على نبي أمي صلوات ربي وسلامه عليه وفي أمة كانت غالبيتها الساحقة من الأميين ولم يكن ممكنا لإنسان عايش تلك الحقبة أن يكون له رأي في مثل هذا المستوى العلمي الرفيع إلا أن يكون موصولاً بالوحي ومعلما من قبل خالق السماوات والأرض ومن هنا تتضح ومضة الإعجاز العلمي في قوله –تعالى- : "وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِوَالأَرْضِوَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْوَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ" (الروم:22)


فالحمد لله على نعمة الإسلام العظيم والحمد لله على بعثة خير المرسلين -صلوات الله وسلامه عليه- , والحمد لله على نعمة القرآن الكريم الذي تعهد ربنا -تبارك وتعالىبحفظه فحفظه حفظاً كاملاً على مدى أربعة عشر قرناً أو يزيد في نفس لغة وحيه -اللغة العربيةوتعهد بهذا الحفظ تعهداً مطلقاً ليبقى القرآن حجة على الخلق أجمعين إلى قيام يوم الدين .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق